الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

213

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

الاستثناء من الأمر في قوله : فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ أي : إلّا الذين آمنوا ولم هاجروا . أو إلّا الذين ارتدّوا على أدبارهم إلى مكة بعد أن يهاجروا ، وهؤلاء يصلون إلى قوم ممّن عاهدوكم ، فلا تتعرّضوا لهم بالقتل ، لئلّا تنقضوا عهودكم المنعقدة مع قومهم . ومعنى ( يصلون ) ينتسبون ، مثل معنى اتّصل في قول أحد بني نبهان : ألا بلغا خلّني راشدا * وصنوي قديما إذا ما اتّصل أي انتسب ، ويحتمل أن يكون بمعنى التحق ، أي إلّا الذين يلتحقون بقوم بينكم وبينهم ميثاق ، فيدخلون في عهدهم ، فعلى الاحتمال الأول هم من المعاهدين أصالة وعلى الاحتمال الثاني هم كالمعاهدين لأنّ معاهد المعاهد كالمعاهد . والمراد ب ( الذين يصلون ) قوم غير معيّنين ، بل كلّ من اتّصل بقوم لهم عهد مع المسلمين ، ولذلك قال مجاهد : هؤلاء من القوم الذين نزل فيهم فَما لَكُمْ فِي الْمُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ [ النساء : 88 ] . وأمّا قوله : إِلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ فالمراد به القبائل التي كان لهم عهد مع المسلمين . قال مجاهد : لمّا نزلت : فَما لَكُمْ فِي الْمُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ الآية خاف أولئك الذين نزلت فيهم ، فذهبوا ببضائعهم إلى هلال بن عويمر الأسلمي ، وكان قد حالف النبي صلى اللّه عليه وسلم على : أن لا يعينه ولا يعين عليه ، وأنّ من لجأ إلى هلال من قومه وغيرهم فله من الجوار مثل ما له . وقيل : أريد بالقوم الذين بينكم وبينهم ميثاق خزاعة ، وقيل : بنو بكر بن زيد مناءة كانوا في صلح وهدنة مع المسلمين ، ولم يكونوا آمنوا يومئذ وقيل : هم بنو مدلج إذ كان سراقة بن مالك المدلجي قد عقد عهدا مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لقومه بني مدلج بعد يوم بدر ، على أن لا يعينوا على رسول اللّه ، وأنّهم إن أسلمت قريش أسلموا وإن لم تسلم قريش فهم لا يسلمون ، لئلّا تخشن قلوب قريش عليهم . والأولى أنّ جميع هذه القبائل مشمول للآية . ومعنى أَوْ جاؤُكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقاتِلُوكُمْ إلخ : أو جاءوا إلى المدينة مهاجرين ولكنّهم شرطوا أن لا يقاتلوا مع المؤمنين قومهم فاقبلوا منهم ذلك . وكان هذا رخصة لهم أوّل الإسلام ، إذ كان المسلمون قد هادنوا قبائل من العرب تألّفا لهم ، ولمن دخل في عهدهم ، فلمّا قوي الإسلام صار الجهاد مع المؤمنين واجبا على كلّ من يدخل في الإسلام ، أمّا المسلمون الأوّلون من المهاجرين والأنصار ومن أسلموا ولم يشترطوا هذا الشرط فلا تشملهم الرخصة ، وهم الذين قاتلوا مشركي مكة وغيرها .